أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
82
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : وَهُوَ قائِمٌ جملة حالية من مفعول النداء ، و يُصَلِّي يحتمل أوجها : أحدها : أن يكون خبرا ثانيا عند من يرى تعدّده مطلقا نحو : « زيد شاعر فقيه » . الثاني : أنه حال ثانية من مفعول النداء ، وذلك أيضا عند من يجوّز تعدّد الحال . الثالث : أنه حال من الضمير المستتر في « قائِمٌ » فيكون حالا من حال . الرابع : أن يكون صفة لقائم . قوله : فِي الْمِحْرابِ متعلق بيصلّي ، ويجوز أن يتعلّق بقائم إذا جعلنا « يُصَلِّي » حالا من الضمير في « قائِمٌ » ، لأنّ العامل فيه حينئذ وفي الحال شيء واحد فلا يلزم منه فصل ، أمّا إذا جعلناه خبرا ثانيا أو صفة لقائم أو حالا من المفعول لزم الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي ، هذا معنى كلام الشيخ « 1 » ، والذي يظهر أن تكون المسألة من باب التنازع ، فإنّ كلا من قائم ويصلّي يصحّ أن يتسلّط على « فِي الْمِحْرابِ » وذلك جائز على أيّ وجه تقدّم من وجوه الإعراب . قوله : إن الله قرأ نافع وحمزة وابن عامر بكسر « إنّ » ، والباقون بفتحها . فالكسر عند الكوفيين لإجراء النداء مجرى القول فليكسر معه ، وعند البصريين على إضمار القول ، أي : فنادته فقالت . والفتح على حذف حرف الجر تقديره : فنادته بأن اللّه ، فلمّا حذف الخافض جرى الوجهان المشهوران في محلها . وفي قراءة عبد اللّه « فنادته الملائكة : يا زكريا » فقوله « يا زكريا » مفعول النداء ، وعلى هذه القراءة يتعيّن كسر « إنّ » ولا يجوز فتحها لاستيفاء الفعل معموليه ، وهما : الضمير وما نودي به زكريا . قوله : ( نبشرك ) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم - الخمسة - في هذه السورة : « أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ » موضعان ، وفي سورة الإسراء « 2 » : وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وفي سورة الكهف « 3 » : وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ أيضا بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين مشددة من : بشّره يبشّره . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم - ثلاثتهم - كذلك في سورة الشورى « 4 » وهو ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ ، وقرأ الجميع دون حمزة كذلك في سورة براءة « 5 » : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وفي سورة الحجر في قوله : إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ « 6 » ، ولا خلاف في الثاني وهو قوله : فَبِمَ تُبَشِّرُونَ « 7 » أنه بالتثقيل ، وكذلك قرأ الجميع دون حمزة في سورة مريم موضعين : إِنَّا نُبَشِّرُكَ « 8 » « لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ « 9 » ، وكلّ من لم يذكر مع هؤلاء - من قرأ بالتقييد المذكور - فإنه يقرأ بفتح حرف المضارعة وسكون الباء وضمّ الشين . وإذا أردت معرفة ضبط هذا الفصل فاعلم أنّ المواضع التي وقع فيها الخلاف المذكور تسع كلمات ، والقرّاء فيها على مراتب : فنافع وابن عامر وعاصم ثقّلوا الجميع ، وحمزة خفّف الجميع ، وابن كثير وأبو عمرو ثقّلا الجميع إلا التي في سورة الشورى فإنهما وافقا فيها على حمزة ، والكسائي خفّف خمسا منها وثقّل أربعا ، فخفّف كلمتي هذه السورة
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 446 . ( 2 ) آية ( 9 ) . ( 3 ) سورة آية ( 2 ) . ( 4 ) آية ( 23 ) . ( 5 ) آية ( 21 ) . ( 6 ) آية ( 53 ) . ( 7 ) سورة الحجر ، آية ( 54 ) . ( 8 ) سورة مريم ، آية ( 7 ) . ( 9 ) سورة مريم ، آية ( 97 ) .